لم تعد الحرب في اليمن مجرد مواجهة بين جماعة مسلحة وسلطة حكومية متنازع على شرعيتها، بل تحوّلت إلى صراع إقليمي معقّد، كشفت سنواته عن تحولات كبيرة في موازين القوة، وعن قدرة جماعة الحوثيين على الاستمرار في القتال وممارسة الضغط العسكري رغم الفارق الكبير في الإمكانات التقليدية بينها وبين خصومها.
ومن أبرز ما أظهرته هذه الحرب، أن التفوق الجوي والمالي والتسليحي لا يضمن بالضرورة حسم المعركة، وأن امتلاك الصواريخ والطائرات المسيّرة، إلى جانب القدرة على تحمّل حرب طويلة، يمكن أن يغيّر حسابات دولة تمتلك جيشًا نظاميًا متطورًا، كما حدث مع السعودية خلال سنوات تدخلها العسكري في اليمن.
لم يكن صمود الحوثيين وحده هو العامل اللافت، بل قدرتهم على تطوير أساليب القتال، وتوسيع نطاق التهديدات الصاروخية، وتحويل الجغرافيا اليمنية إلى عامل استنزاف يصعب تجاوزه بسهولة.
من جماعة محلية إلى قوة تفرض حساباتها على الرياض
عندما تدخلت السعودية عسكريًا في اليمن عام 2015، كان الهدف المعلن إعادة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا إلى السلطة وإنهاء سيطرة الحوثيين على صنعاء. غير أن سنوات القتال لم تؤدِّ إلى النتيجة التي راهنت عليها الرياض؛ فقد احتفظ الحوثيون بسيطرتهم على صنعاء ومناطق واسعة من شمال غرب اليمن، بينما ظلّت البلاد منقسمة بين سلطات وقوى عسكرية متنافسة.
هذا الواقع كشف عن خلل في تقدير طبيعة المواجهة. فالحوثيون لم يكونوا مجرد قوة يمكن إضعافها عبر الضربات الجوية، بل حركة مسلحة ذات جذور محلية، وخبرة متراكمة في القتال داخل التضاريس الجبلية، وقدرة على إعادة تنظيم قواتها والاستفادة من نقاط ضعف خصومها.
ومع مرور الوقت، تحوّل الصراع من محاولة لحسم عسكري سريع إلى معركة استنزاف طويلة، ارتفعت تكلفتها البشرية والاقتصادية، وأصبحت التسوية السياسية أكثر إلحاحًا في حسابات الأطراف المعنية.
لكن فهم هذه النتيجة يتطلب الانتباه إلى عامل أساسي: الاحتفاظ بالأرض، والقدرة على تهديد الخصم، وامتلاك وسائل ردع مؤثرة، قد تكون أهم من التفوق في عدد الطائرات أو حجم الإنفاق العسكري وحده.
الصواريخ والطائرات المسيّرة: السلاح الذي غيّر حسابات السعودية
شكّلت القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة أحد أبرز عناصر التحول في الحرب اليمنية. فبدل أن تبقى المواجهة محصورة في الجبهات الداخلية، استطاع الحوثيون نقل جزء من الضغط العسكري إلى داخل الأراضي السعودية، مستهدفين منشآت حيوية ومطارات ومواقع أخرى.
وقد وثّق مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأمريكي (CSIS)، في تحليل شمل 4,103 هجمات مرتبطة بالحوثيين بين عامي 2016 و2021، تصاعد استخدام الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات غير المأهولة ضمن استراتيجية أوسع للقتال غير المتكافئ.
وتكمن أهمية هذه الأسلحة في أنها تفرض على الخصم معادلة دفاعية مكلفة. فالسعودية، رغم امتلاكها منظومات دفاع جوي متقدمة، تواجه تحديًا في حماية مساحة جغرافية واسعة ومنشآت متباعدة من تهديدات يمكن إطلاقها من اتجاهات مختلفة.
كما أن اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة يتطلب إنذارًا مبكرًا، وقدرات رصد واعتراض، ومخزونًا كافيًا من الذخائر الدفاعية. لذلك لا تعني امتلاك منظومات متطورة ضمان اعتراض كل هجوم، خصوصًا عندما تتعدد مصادر التهديد وتتكرر الهجمات.
وقد أظهرت الهجمات على منشآت النفط السعودية عام 2019، وما تلاها من هجمات عبر الحدود، أن البنية الاقتصادية الحيوية يمكن أن تصبح جزءًا من ميدان المواجهة، وأن التأثير العسكري لا يُقاس فقط بحجم الأضرار المباشرة، بل أيضًا بما تسببه التهديدات من اضطراب وقلق وتكاليف دفاعية.
لماذا بدت القوة الحوثية أكبر مما توقّع خصومها؟
لا يمكن تفسير صمود الحوثيين وقدراتهم المتنامية بعامل واحد. فهناك مجموعة من العناصر العسكرية والسياسية والجغرافية التي تداخلت خلال سنوات الحرب.
أولًا: طبيعة الجغرافيا اليمنية. توفر المناطق الجبلية والطرق المعقدة ظروفًا تجعل العمليات البرية الواسعة أكثر صعوبة، وتمنح القوات التي تعرف المنطقة وتملك خبرة محلية مزايا في الحركة والتمركز.
ثانيًا: الخبرة القتالية المتراكمة. خاض الحوثيون سنوات من المواجهات مع القوات الحكومية اليمنية وخصومهم المحليين والتحالف الذي قادته السعودية. وقد ساهم طول الحرب في تطوير خبراتهم في استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، وفي تنظيم عملياتهم العسكرية.
ثالثًا: الدعم الخارجي والتطور التقني. تشير تقارير وتحليلات دولية إلى أن الدعم الإيراني، بما يشمله من تقنيات ومكونات وخبرات، أسهم في تطوير جوانب من القدرات الصاروخية والمسيّرة للحوثيين. وفي المقابل، تختلف التقديرات بشأن مدى استقلالية تصنيعهم المحلي وحجم اعتمادهم على الخارج. لذلك فإن تصوير هذه القدرات على أنها صناعة محلية خالصة، أو اعتبار الحوثيين مجرد قوة لا تمتلك أي قدرة مستقلة، لا يعكس وحده الصورة كاملة.
رابعًا: القدرة على الاستمرار رغم الضربات. لم تتمكن الحملات الجوية المتعاقبة من إنهاء سيطرة الحوثيين على مناطقهم الرئيسية. ويشير ذلك إلى أن تدمير بعض المنشآت أو استهداف بعض القيادات لا يكفي وحده لإنهاء قوة مسلحة متجذرة في صراع داخلي طويل.
هذه العوامل مجتمعة تفسر كيف استطاع الحوثيون المحافظة على موقعهم، وتحويل قدراتهم العسكرية إلى ورقة ضغط تتجاوز حدود اليمن.
كيف أربكت الصواريخ الحسابات السعودية؟
لم يكن التأثير الأهم للصواريخ الحوثية مقتصرًا على حجم الدمار الذي يمكن أن تسببه، بل امتد إلى طبيعة الحسابات الأمنية والاستراتيجية السعودية.
فالسعودية تعتمد على الاستقرار الداخلي، وحماية المنشآت النفطية، وتأمين المطارات والمراكز الاقتصادية، وتعزيز صورتها بوصفها وجهة للاستثمار والأعمال. وأي تهديد متكرر لهذه المصالح يفرض تكاليف إضافية، ويستدعي تخصيص موارد كبيرة للدفاع الجوي، ويزيد حساسية القرارات المتعلقة بالتصعيد العسكري.
كذلك، فإن نجاح هجوم واحد في الوصول إلى هدف مهم، حتى مع اعتراض هجمات أخرى، قد يخلق أثرًا سياسيًا وإعلاميًا أكبر من حجمه العسكري المباشر. إذ يطرح أسئلة حول كفاءة منظومات الحماية، وقدرتها على مواجهة هجمات متواصلة، وحدود الاعتماد على السلاح المتطور عندما يكون الطرف الآخر مستعدًا لخوض مواجهة طويلة وغير متكافئة.
لكن من المهم التمييز بين إرباك الحسابات الدفاعية وبين امتلاك تفوق عسكري شامل. فالسعودية ما زالت تملك قدرات جوية وتسليحية وموارد أكبر بكثير، في حين يظل الحوثيون عرضة لضربات عسكرية وقيود اقتصادية وعسكرية. وتكمن المفارقة في أن هذا التفوق التقليدي لم يتحول إلى حسم سياسي وعسكري نهائي في اليمن.
هل أصبح الحوثيون الطرف الذي يحدد مسار الحرب؟
من الناحية العملية، بات الحوثيون طرفًا يصعب تجاوزه في أي معادلة عسكرية أو سياسية تتعلق باليمن. فسيطرتهم على صنعاء ومناطق واسعة من الشمال الغربي، وقدرتهم على تهديد خصومهم بالصواريخ والطائرات المسيّرة، تمنحهم أدوات ضغط لا يمكن تجاهلها.
لكن القول إنهم يسيطرون على الحرب بالكامل يحتاج إلى تمييز بين السيطرة على مناطق جغرافية، والقدرة على فرض إيقاع المواجهة، والقدرة على تحقيق جميع الأهداف السياسية والعسكرية.
لقد أظهر الحوثيون قدرة على منع خصومهم من تحقيق حسم سريع، وعلى إبقاء التهديد العسكري حاضرًا في الحسابات السعودية. غير أن ذلك لا يعني أنهم يسيطرون على كامل الأراضي اليمنية أو أنهم قادرون على فرض كل شروطهم؛ فاليمن لا يزال منقسمًا، وتوجد قوى محلية وسياسية وعسكرية أخرى تمتلك مصالح وقدرات مستقلة.
والأدق أن الحوثيين أصبحوا أحد أبرز الأطراف القادرة على تعطيل التسويات التي لا يوافقون عليها، وعلى رفع تكلفة الخيارات العسكرية التي تستهدف إنهاء سيطرتهم بالقوة.
من اليمن إلى البحر الأحمر: اتساع نطاق التأثير
تجاوز تأثير القدرات الحوثية حدود المواجهة مع السعودية، خصوصًا مع توسع عمليات الجماعة ضد السفن في البحر الأحمر، ثم إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه إسرائيل منذ أواخر عام 2023.
وقد أدت تهديدات الملاحة إلى اضطرار شركات شحن إلى تغيير مساراتها، ما أضاف بُعدًا اقتصاديًا دوليًا إلى الصراع اليمني. وهكذا أصبحت القدرات العسكرية الحوثية مرتبطة بأمن الممرات البحرية والتجارة الدولية، وليس فقط بموازين القوة داخل اليمن.
وهذا الاتساع منح الجماعة قدرة إضافية على التأثير في حسابات أطراف دولية وإقليمية، لكنه حمل أيضًا مخاطر أكبر على المدنيين والاقتصاد اليمني، ورفع احتمالات اتساع المواجهة وتعرض البلاد لمزيد من الضربات.
الخلاصة: قوة لا يمكن تجاهلها، وحرب لا تُحسم بالصواريخ وحدها
تكشف التجربة اليمنية أن تقدير القوة العسكرية لا ينبغي أن يستند إلى حجم الترسانة أو ميزانية الدفاع فقط، بل إلى القدرة على الصمود، واستخدام الجغرافيا، وتطوير وسائل القتال، وتحويل نقاط ضعف الخصم إلى مصادر ضغط مستمرة.
لقد تمكن الحوثيون من الاحتفاظ بمناطق واسعة من اليمن، وتطوير قدرات صاروخية ومسيّرة جعلت السعودية مضطرة إلى التعامل مع تهديد أمني مستمر، رغم التفوق التقليدي الكبير الذي تمتلكه. وهذه إحدى أبرز المفارقات التي أفرزتها الحرب: لم يكن التفوق في التسليح كافيًا لإنهاء المواجهة، ولم يكن فارق الإمكانات وحده قادرًا على تحديد نتيجتها.
ومع ذلك، فإن القوة الصاروخية لا تعادل بالضرورة نصرًا سياسيًا، كما أن القدرة على الاستنزاف لا تعني امتلاك حل للصراع اليمني. فالحسم الحقيقي لا يتوقف على القدرة على إطلاق الصواريخ أو اعتراضها فحسب، بل يرتبط أيضًا بمستقبل الدولة اليمنية، وبمواقف القوى المحلية والإقليمية، وبمدى إمكانية الوصول إلى تسوية تنهي الحرب وتخفف معاناة السكان.
ويبقى الدرس الأبرز أن تجاهل طبيعة الخصم، أو التقليل من قدرته على التكيف، قد يحوّل حملة عسكرية يُراد لها أن تكون قصيرة إلى صراع طويل تتغير فيه الأهداف والحسابات، وتصبح كلفة الاستمرار فيه أكبر من كلفة البحث عن تسوية.


