سورياأكتوبر 19, 2026

أحمد الشرع واحتمال إرسال مقاتلين إلى اليمن: هل تدخل سوريا حرباً جديدة من أجل حسابات إقليمية؟

بين التقارير عن مباحثات عسكرية محتملة والنفي السوري الرسمي، يبرز سؤال جوهري: هل يمكن أن يجد السوريون أنفسهم أمام حرب خارج حدودهم، في وقت لا تزال بلادهم بحاجة إلى الأمن وإعادة الإعمار؟

تثير التقارير التي تحدثت عن احتمال مشاركة قوات سورية في الحرب الدائرة في اليمن جدلاً واسعاً حول مستقبل السياسة الخارجية السورية في عهد أحمد الشرع، وحدود التقارب بين دمشق والرياض، والثمن الذي قد يدفعه السوريون واليمنيون إذا تحولت المناقشات السياسية إلى تدخل عسكري فعلي.

ففي مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2026، تحدثت تقارير صحفية، من بينها تقارير لوكالتي رويترز وأكسيوس، عن بحث خيارات لتقديم مساعدة عسكرية سورية إلى السعودية، قد تشمل الدعم الدفاعي أو مشاركة قوات إلى جانب القوات اليمنية المدعومة من الرياض في القتال ضد جماعة الحوثيين. لكن السلطات السورية نفت أن تكون المملكة قد طلبت إرسال قوات سورية إلى السعودية أو اليمن، ولم يثبت أن عملية إرسال مقاتلين قد نُفذت بالفعل.

أولاً: ماذا نعرف عن حقيقة هذه التقارير؟

من الضروري التمييز بين ثلاثة أمور: وجود تقارير عن مناقشات عسكرية، واتخاذ قرار سياسي بإرسال قوات، ثم تنفيذ هذا القرار على الأرض.

التقارير الصحفية استندت إلى تصريحات مسؤولين أمريكيين ومصادر عسكرية، وتحدثت عن خيارات قيد الدراسة. وفي المقابل، نفى المستشار الإعلامي للرئاسة السورية أحمد موفق زيدان ما تردد بشأن طلب سعودي لإرسال قوات سورية، مؤكداً أن ما نشر بهذا الخصوص لا أساس له من الصحة.

وعليه، فإن الحديث عن إرسال أحمد الشرع مقاتلين إلى اليمن لا يمكن تقديمه باعتباره حقيقة مكتملة. لكن مجرد تداول هذا الاحتمال يفتح الباب أمام نقاش مشروع حول الأولويات السورية، وموقف دمشق من النزاعات الإقليمية، وحدود التعاون العسكري مع الحلفاء.

ثانياً: لماذا قد تكون المشاركة في حرب اليمن مسألة حساسة؟

لا تزال سوريا تواجه تحديات كبيرة في إعادة بناء مؤسسات الدولة، وترميم البنية التحتية، وتحسين الظروف الاقتصادية، وإعادة دمج التشكيلات المسلحة ضمن مؤسسات عسكرية موحدة.

وفي مثل هذه الظروف، فإن إرسال قوات إلى ساحة صراع خارجية، إن تقرر فعلاً، لن يكون مجرد خطوة عسكرية محدودة؛ بل سيكون قراراً سياسياً واستراتيجياً قد تترتب عليه نتائج داخلية وإقليمية.

فأي انتشار عسكري خارجي يحتاج إلى إجابات واضحة عن طبيعة المهمة، والجهة التي ستتولى القيادة، والمدة المتوقعة، والتمويل، والخسائر المحتملة، والأساس القانوني للتدخل.

كما أن مشاركة قوات سورية في مواجهة الحوثيين قد تجعل دمشق طرفاً مباشراً في صراع إقليمي معقد، بدلاً من الاكتفاء بعلاقات سياسية أو تعاون دفاعي لا يتضمن المشاركة في العمليات القتالية.

ثالثاً: هل تتحول العلاقة مع السعودية إلى التزام عسكري؟

تسعى دمشق والرياض إلى تعزيز العلاقات الثنائية، في ظل حاجة سوريا إلى الاستثمارات والمساعدات وإعادة الإعمار، ورغبة السعودية في حماية أمنها ومصالحها الإقليمية.

لكن التقارب السياسي والاقتصادي لا يعني بالضرورة أن على سوريا المشاركة في كل مواجهة تخوضها السعودية أو حلفاؤها.

فالعلاقات بين الدول تُقاس أيضاً بقدرة الحكومات على تحديد مصالحها الوطنية، ووضع حدود واضحة للتعاون، وتجنب الالتزامات التي قد تفرض أعباء غير متناسبة مع إمكاناتها.

ومن هنا يبرز السؤال: إذا طُرح بالفعل خيار مشاركة قوات سورية في اليمن، فهل ستكون المهمة دفاعية لحماية الأراضي السعودية من الهجمات، أم ستتضمن عمليات هجومية داخل الأراضي اليمنية؟ الفرق بين الخيارين كبير، سواء من الناحية العسكرية أو السياسية أو القانونية.

ولا بد من معرفة تفاصيل أي اتفاق محتمل قبل الحكم على طبيعته أو نتائجه.

رابعاً: اليمنيون ليسوا مجرد طرف في حسابات الآخرين

من أخطر ما يمكن أن ينتج عن اتساع التدخلات الخارجية أن تتحول معاناة المدنيين إلى تفصيل ثانوي في حسابات القوى الإقليمية.

فاليمنيون، بمختلف مناطقهم وانتماءاتهم السياسية، دفعوا أثماناً باهظة نتيجة سنوات من الحرب والانقسام وتدهور الاقتصاد والخدمات الأساسية. وأي تصعيد عسكري جديد قد يفاقم النزوح، ويزيد الضغط على المستشفيات والبنية التحتية، ويعقّد فرص الوصول إلى تسوية سياسية.

وفي الوقت نفسه، لا ينبغي الخلط بين اليمنيين عموماً وجماعة الحوثيين؛ فالمجتمع اليمني متنوع، ومصالح السكان المدنيين لا تختزل في مواقف الأطراف المسلحة أو الحكومات المتنافسة.

ومن حق اليمنيين أن يكون مستقبل بلدهم موضوعاً لحل سياسي يراعي سيادتهم وتطلعاتهم، لا مجرد ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية.

خامساً: ما الذي قد تخسره سوريا من تدخل عسكري جديد؟

أي قرار بإرسال قوات سورية إلى الخارج ينبغي أن يُقيّم وفق مجموعة من المعايير، أبرزها:

  • الأمن الداخلي: هل يمكن أن يؤدي نشر القوات خارج البلاد إلى إضعاف جهود توحيد الجيش وضبط الأمن؟
  • الكلفة الاقتصادية: هل تستطيع الدولة تحمل نفقات انتشار عسكري خارجي في ظل احتياجات إعادة الإعمار؟
  • المخاطر البشرية: ما حجم الخسائر المحتملة، وما الضمانات المتاحة لحماية الجنود؟
  • العلاقات الإقليمية: كيف سينعكس التدخل على علاقات سوريا مع اليمن وإيران وسائر الأطراف المعنية؟
  • الشرعية والشفافية: ما الأساس القانوني للمشاركة، وهل ستُعلن أهداف المهمة وحدودها بوضوح؟

هذه أسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالشعارات أو بالحديث عن التحالفات وحدها، بل تحتاج إلى معلومات واضحة وقرار يخضع للمساءلة.

سادساً: بين دعم الحلفاء وتجنب الحروب المفتوحة

ليس كل تعاون عسكري مع دولة أخرى يعني بالضرورة الدخول في حرب هجومية. فقد يشمل التعاون تبادل الخبرات، أو المساعدة الفنية، أو أنظمة الدفاع الجوي، أو حماية المنشآت من الهجمات.

لكن الانتقال من التعاون الدفاعي إلى إرسال قوات للمشاركة في القتال البري يغيّر طبيعة الالتزام ومخاطره بصورة جوهرية.

ولهذا، فإن أي حديث عن مشاركة سورية في العمليات ضد الحوثيين يجب أن يوضح ما إذا كان الأمر يتعلق بدعم فني أو دفاعي، أم بمشاركة مباشرة في العمليات القتالية. كما ينبغي ألا تُعامل التقارير عن الخيارات المطروحة باعتبارها دليلاً على اتخاذ قرار نهائي.

الخلاصة: هل تحتاج سوريا إلى حرب جديدة؟

في نهاية المطاف، لا يتوقف النقاش حول احتمال إرسال قوات سورية إلى اليمن على موقف أحمد الشرع من السعودية وحده، بل يتعلق بأولويات الدولة السورية ومستقبل علاقاتها الإقليمية.

فإذا كانت هناك مباحثات عسكرية بالفعل، فإن الشفافية بشأن طبيعتها وأهدافها تصبح ضرورة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بإرسال جنود إلى نزاع مسلح خارج الحدود.

أما إذا لم يُتخذ قرار بالمشاركة، فإن النفي الرسمي ينبغي أن يكون نقطة انطلاق لمناقشة السياسة السورية تجاه النزاعات الإقليمية، لا مبرراً لتحويل التقارير غير المؤكدة إلى وقائع.

السؤال الأساسي الذي يستحق أن يُطرح هو: كيف يمكن لسوريا أن تحافظ على علاقاتها مع حلفائها، وتدعم أمن المنطقة، من دون أن تتخلى عن أولوية إعادة بناء مؤسساتها وتحسين حياة مواطنيها؟

إن تجنب الحروب المفتوحة لا يعني التخلي عن الحلفاء، كما أن التضامن السياسي لا يفرض بالضرورة إرسال الجنود إلى ساحات القتال. وبين هذين الخيارين، يبقى واجب أي قيادة أن تشرح لشعبها أهداف قراراتها وتكاليفها ومخاطرها، وأن تضع أمن المواطنين ومصالح البلاد في صدارة الحسابات.

Scroll to Top